بقلم : الحسين فعراس طالب باحث بكلية الحقوق مراكش
مما لا ضير ولا لبس فيه ان التنظيم الجهوي بالمغرب قد مر بمجموعة من المحطات التاريخية قبل وبعد الاستقلال فاذا كان التقطيع الجهوي خلال الحقبة الاستعمارية قد تميز باهدافه العسكرية و الامنية الرامية بالدرجة الاولى الى التحكم وبسط الهيمنة على المجال عبر توطين القواعد العسكرية فان سنة 1971قد تبنت تقطيع جهوي مختلف ارتكز على معايير اقتصادية بالاساس وهذا ما سيجعل المشرع سنة 1992 يرتقي بالجهة الى مستوى الجماعة المحلية بمقتضى الفصل 94 من دستور 1992 ليصدر بعد ذلك قانون 96-47 في 2 ابريل 1997 كأول إطار قانوني يعنى بتنظيم الجهات مما سيفرز بعد ذلك نقاشات عمومية مهمة على مستوى هذا الصدد أهمها خطاب الملك محمد السادس بمراكش بتاريخ 6نونبر 2008 والذي أسس فيه لمشروع الجهوية كإصلاح هيكلي عميق يقتضي جهدا جماعيا لبلورته وإنضاجه وهو رهين باعتماد تقسيم ناجع يتوخى قيام مناطق متكاملة إقتصاديا وجغرافيا ومنسجمة اجتماعيا وثقافيا معتمدة على مبادئ الديمقراطية التشاركية و الحكامة الجيدة كحجر الزاوية في البناء التنموي الديمقراطي ليبقى الاهم هو رفع تحدي التنمية المحلية الجهوية عبر توافر نخبة مؤهلة لذلك في نطاق الالتزام التام من قبل الجميع بسيادة القانون وسموه . هذا من جهة من جهة أخرى نجد ان التعديل الدستوري اللأخير لسنة 2011 قد ساهم الى حد كبير من حيث التأصيل القانوني في الارتقاء بالجهة الى مستوى أكثر تقدما وذلك من خلال اعطاء التنظيم الجهوي مبادئ دستورية جديدة تتمثل أساسا في التدبير الحر والتعاون والتضامن والتفريع كما منح للجماعات الترابية اختصاصية ذاتية واختصاصات مشتركة مع الدولة و اختصاصات منقولة اليها من هذه الاخيرة فيما يخص الموارد المالية أيضا فان الجهات والجماعات الترابية الاخرى بدورها مكنها دستور 2011 من موارد مالية ذاتية وموارد مالية مرصودة من قبل الدولة اضافة الى انه يحدث لفترة معينة ولفائدة الجهات صندوق التاهيل الاجنماعي وصندوق التضامن بين الجهات لسد العجز في مجالات التنمية البشرية و بهدف التوزيع المتكافئ للموارد والتقليص من التفاوتات بين الجهات.
لكن يبقى الاشكال المطروح في مدى صلاحية هاته المبادئ والتوصيات في ظل وجود عوائق واكراهات مجالية و سوسيواقتصادية ومؤسساتية؟ وكيف سيكون موقف السلطة الجهوية المتقدمة المرتقبة إزاء الاستراتيجيات القطاعية المنطلقة من الدولة ؟ وما مدى انعكاسها على مجال تدخل ومبادرة هذه السلطة؟
فالتقسيم الجهوي الحالي ارتكز على اسس ادارية وسياسية محضة تجاهلت الخصوصيات الطبيعية و الثقافية كما تم التركيز على المناطق الساحلية على حساب المناطق الداخلية وفي ذلك تكريس كبير للتفاوت الجهوي كما أن الامكانات المرصودة للجهة لازالت محتشمة فكلها رسوم بمثابة نسب مضافة إلى ضرائب محلية هذا علاوة على ضعف نسب استثمارات الجماعات المحلية بمافيها الجهوية من مجموع الاستثمارات الوطنية حيث لا تتجاوز نسبة 7.9 في المائة . فيما يخص الجانب المؤسساتي فثقل الوصاية المفروضة من المركز وضعف اللامركزية وبطئ المساطر وهيمنة الفاعل المركزي على دواليب القرار ساهم في تعطيل او إخراج عدة نصوص قانونية الى حيز الوجود ولنا في غياب مرجعية قانونية لاعداد التراب خير مثال مما يشكل عاملا معيقا لنجاعة الديمقراطية الترابية والاستقلالية المحلية بالمغرب وبالتالي قصور اللامركزية الجهوية قصور قانون الجهة نفسه وقصور التنظيم الاداري فالتطبيق الفعلي لقانون الجهات يستوجب اصدار نصوص اكثر وضوح كالنصوص المتعلقة بالموظفين الجهويين والنص المتعلق بالتنمية الجهوية وصندوق الميزانية مع اصدار النصوص التوضيحية في مجال الاختصاص بين الدولة والجهةوبين الجهة والجماعات الترابية فيما بينها فيما يخص الوسائل البشرية و المادية فاقتصار المجالس الجهوية على كاتب عام و مكلفين بدراسات ومكلفين بمهمة وهذا لايمكنه ان يعطي للجهة قيمة مضافة من حيث ادارتها لمواردها اما على مستوى الوسائل المالية فالحاجة الملحة اصبحت تستوجب ضرورة البحث عن موارد مالية جديدة للجهة في ظل عدم كفاية الموارد المكفولة حاليا .
فيما يتعلق بالحدود المرتبطة بالتنظيم الاداري يلاحظ أن المشرع قد تبنى معايير تعتمد أساسا على تحقيق التوازن بين الجهات وتحقيق الانسجام الداخلي لكل جهة والتكامل الاقتصادي والاجتماعي بين الجهات المحدثة لم تأخذ بعين الاعتبار في النص النهائي الذي صودق عليه مؤخرا من قبل مجلس النواب الشئ الذي جعل التقطيع الجهوي الجديد يعاني من العديد من العيوب كما سبقت الاشارة تمثلت أساسا في العدد الكبير للجهات مما يؤثر على حجمها واهميتها الاقتصادية اضافة الى المركزية المفرطة التي مافتئت تعاني منها الادارة المحلية المغربية الشئ الذي يكون عائقا بالنسبة للمصالح الخارجية للوزارات التي تفتقد الكفاءة و الاستقلال الذاتي الضروريين ومن هنا فان تفكيك هذا التجمع المفرط للسلطات لا يعتبر فقط اداة لتحسين فعالية الادارة المحلية المغربية وانما هو شرط سابق لتحسين وانجاح اللامركزيةكما ان نقل الاختصاص دون نقل الاعتماد يشكل عائقا دون اخراج هذا الورش التنموي الى الوجود . و نظرا لما تخبطت فيه الادارة المحلية من اشكالات على مستوى على هذا الصدد فالملاحظ أنه لم يعط لعدم التمركز أهمية كافية كما جرى لنظيرتها اللامركزية فالمناظرات الوطنية للجماعات المحلية لم يطرح فيها عدم التمركز إلا في المناظرة السابعة فكانت هيمنة اللامركزية تطغى على جميع الدراسات والايحاث في مجال الادارة المحلية . عكس التجارب المقارنة في ايطالياوالمانيا و إيطاليا والتي اعطت للامركزية و اللاتمركز نفس الاهمية من النقاش العمومي والبحث العلمي .
وفي الاخير ان الغاية من كتابة هاته الاسطر وكطلبة باحثين في المجال القانوني و السياسي هو ضرورة الوعي بكامن الخلل قي مشروع الجهوية المتفدمةفرغم ان المشرع قد منحها مكانة متميزة من خلال تخويل الجهات مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الاخرى كما ان الوثيقة الدستورية لسنة 2011 قد عززت سياسة اللاتركيز الاداري من خلال توسيع صلاحيات ممثلي السلطة المركزية على المستوى الترابي لكن يبقى الاشكال المطروح هو ان هذه المقتضيات الدستورية تبقى جد مهمة و متقدمة الا ان عدم وجود قوانين تنظيمية متعلقة بسير الجماعات الترابية وكذا ميثاق وطني للاتركيز الاداري يجعل هذا الورش بحاجة الى اعادة النظر من عدة زوايا وهو ما من شأنه تعزيز الديمقراطية المحلية والحكامة الجيدة .و الانطلاق من الخلية المحلية للوصول الى تنمية شاملة اذ لا تنمية جهوية ووطنية بدون تنمية محلية